|
وهل
أنا إلا من (غزية) إن غوت غويت وإن ترشد (غزية) أرشد
فأنا (ما عندي كلام كتير داير أقوله) فقط أود الحديث عن
(ضابط) وبرتبة الملازم أول ولكن يستحق أن يقال عنه الكثير
وهذا إذا طاوعك قلمك .. والمريح في الأمر أنني سأتحدث عن
ضابط أقل مني رتبة مما سيحميني من غضبه إن قلت فيه ما ليس
فيه (ولن يكون ذلك كذلك) كما أنه سيبعد عني الشبهة التقرب
إليه وهذا هو الأهم.
العم الملازم أول شرطة عثمان حمزة درار .. و(درار) أو
(ضرار) هذه ضرورية جداً مثل (ساتي) و(نقد) وتلك الأسماء
المعروفة التي تشير إلى قبيلة صاحبها دون الحوجة لرؤيته ..
والحق أنني لم أقابل (دنقلاوياً) معتزاً بدنقلاويته أكثر
من اللازم ومداوماً على الإفتخار بها مثل العم عثمان حمزة
(نحن أصحاب حضارة عمرها آلاف السنين .. أحفاد تهراقا
وبعانخي و ....) وهكذا يقول دائماً عندما يود ان يفتخر
ويرد على مناكفاتنا له (تصوروا ملكنا قام بغزو مصر وحكمها
فترة طويلة من الزمان لأنهم كانوا يسيئون معاملة الخيل ..)
يستمر العم (درار) في تفاخره.
وما دعاني للكتابة عن العم (درار) ليس تفاخره هذا بالطبع
ولكن فقط عندما رأيت خطاباً يشير إلى أن خدمته الشرطية
ستنتهي بعد أيام قلائل والحق أنني شعرت بنوع من الإنقباض
فسنفارق الرجل بعد أن (أدمنا) عليه وصار حديثه ومداعباتنا
له جزء من حياتنا اليومية .. وأحسب أنه نفسه عندما سيطلع
على الخطاب سوف يطلق زفرة طويلة (يستغفر الله بعدها) فقد
إنتهت خدمته الآن والتي إستمرت (43) عاماً ، نعم هي (43)
عاماً متواصلة من الجهد والإجتهاد لخدمة الوطن والمواطن
ومنع الجريمة وأعمال البحث الميداني الشاقة تدرج فيها من
رتبة الجندي .. بدأت منذ العام .. العام .. الشاهد أنني لا
أدري ويبدو أن هنالك حاجة للتسلل إلى مكتب الإدارة
والإطلاع على ملف عمنا الدنقلاوي بنسبة نقاء 100% (من أين
أتيت)؟ هكذا سألني عندما قابلته للمرة الأولى وعندما عرف
أنني معه من قبيلة واحدة زادت أسئلته حتى توصل إلى أصولي
الأمدرمانية عندها فقط قال (أه أنتم دناقلة 50%).
وعندما وصلت إلى ما أريد (ملفه) وجدت ملفا ضخماً لا لون له
أو بالأصح يصعب معرفة لونه الأصلي ما لم تستعين بالمختبر
الجنائي .. كيف لا وهو يحوي بداخله مسيرة (43) عاماً بدأت
منذ العام 1956م وتحديداً في 12/7/1956م تخرج بعدها برتبة
الجندي شرطة ليعمل بالولايات الجنوبية لفترة ثم يعود للعمل
في المجال الذي تخصص فيه وهو أعمال البحث الميداني وذلك
بالمباحث المركزية (وقتها) .. ويشير ملفه إلى أنه من
المؤسسين لإدارة مكافحة المخدرات منذ أن كانت شعبة صغيرة
تتبع لقسم الميدان بالمباحث المركزية ، حتى صارت إدارة
متخصصة.
وكنا عندما نجتمع لتناول الإفطار يقول العم (درار) (لقد
جئتم في زمن صعب أراهن أن كثيراً منكم عندما يصلون إلى
عمري هذا ستتقوس ظهورهم ويصيب الضعف أسماعهم وأبصارهم ..
فلقد نشأنا على السمن واللبن و...) وننظر إليه وهو يتحدث
وإلى صحن (الفول) الذي أمامنا ولا نرد عليه ، والحق أنه
يتمتع والحمد لله بصحة جيدة وذاكرة قوية تحوي الكثير الذي
يجعلنا جميعاً نلجأ إليه لإستشارته في تنفيذ عمليات مكافحة
المخدرات ليرشدنا إلى الأسلوب الأمثل للتأكد من صحة
معلوماتنا أو لتنفيذ العملية وليس ذلك فحسب (فعمنا) موضوع
المقال يقود قوته بنفسه في كثير من الأحيان لتنفيذ مداهمات
في مناطق متوقع منها المقاومة وبنسبة كبيرة وعندما تراه
وسط قوته يصعب عليك تمييزه من بينهم في مطاردة المتهمين
وعمليات التفتيش إن لم يكن يتميز عليهم في ذلك (لقد تم
إختيارنا بدقة وبعد معاينات وتصفيات كثيرة لكي نصبح جنوداً
في الشرطة!!) هكذا يقول دائماً وهكذا نلاحظ دائماً ،
فالرجل ما زال قادراً على العطاء المباشر العملي وليس فقط
تأدية دور الإرشيف وأزعم أنه قادر على ذلك أكثر من كثير من
زملائه في نفس الرتبة رغم إختلاف العمر. وللعم (درار)
أهمية أخرى فنحن نلجأ إليه كثيراً قبيل تنفيذنا لأي مهمة
صعبة لنتزود منه بالنصائح اللازمة ونستفيد من خبرته
الطويلة .. وعندما نعود من مهمتنا بعد تنفيذها بنجاح ننتظر
جميعاً وبفارغ الصبر حضوره لمشاهدة ما أحضرناه وسماع
تعليقاته (هؤلاء تلاميذي أنا الذي علمتهم) .. ويهز الجميع
رأسه مؤكداً ذلك ولو كان العم عثمان حمزة طوال مدة خدمته
لم يفعل شيء سوى تدريب هذه الحفنة من الرجال لكفاه هذا ..
فتفعل كلماته هذه فينا فعل السحر وكأنما تم استقبالنا بألف
(نحاس).
وقد يغضب العم عثمان حمزة أحياناً ورغم حالات غضبه النادر
إلاّ أننا كنا نسعى إليها ونحن نعلم أن غضبه ورغم شدته
(حتى أن من لا يعرفه (يتهمه) بالجعلية و(يسقط) عنه التهمة
فوراً عندما يعرف أن لديه مصراناً عصبياً يدفعه لذلك لن
يستمر أكثر من دقيقة يعود بعدها لحالته الطبيعية بعد أن
يغادر المكان الذي يجلس فيه ويعود إليه سريعاً بعد لحظات
كأنما شيء لم يحدث .. حسناً ستغادرنا بعد أيام أيها العم
الكريم وسيفتقدك زملاءك بإدارة مكافحة المخدرات جميعاً
وسيلاحظ غيابك تجار ومتعاطي المخدرات وربما يتنفس معظمهم
الصعداء لذلك.
و(قد) نحاول أمام مدة خدمتك الطويلة وبصماتك الواضحة التي
يعجز القلم تماماً عن حصرها وإن إستطاع فسوف تتقاصر مساحة
الموقع عن ذلك ، قد نحاول أن نودعك في إحتفال ما ربما ..
سنقول فيه الكثير وأنك ما زلت قادراً على العطاء وأننا
نحتاجك بيننا عضواً فاعلاً وبما أن ذلك لن يكون فسيظل
التواصل بيننا حتى وأن تركتنا فلن ندعك فسنأتي إليك
ونستشيرك ونتزود بنصائحك ولن ينطبق عليك قول الشاعر:
المرء في زمن الأفيال كالشــجرة
والناس من حولها مادمت الثمرة
حتى إذا راح عنها حملها انصرفوا وخلفوها تقــاسي الحر والـــغبرة
فمازلت شجرة مثمرة نحتاج جميعاً لثمارها .. وبعد أن ننتهي
من حديثنا سنترك لك الفرصة لتقول شيئاً. وأنا أعلم أنك لن
تستطيع ذلك ، وسنلوذ جميعاً بالصمت ، إلى أن تأتي لحظة
تكريمك وعندها ستتقدم شامخاً كما عهدناك وبعد أن تؤدي
التحية العسكرية كأحسن ما يكون ستمد وتستلم ما قد يذكرك
بنا .. أما نحن فلن ننساك ولن نستطيع ذلك .. وفي ختام
حديثي هذا .. وعندما تصل إلى منزلك حاملاً (هديتنا) وبعد
أن تقوم بفتحها وتضمها إليك بحب أخشى فقط أن تقول في سرك
مع ابتسامتك التي تعودنا عليها .. (الفيكم عرفناها) !!
 |