|
عندما فكرت في كتابة هذا الموضوع عن المعلم والمربي
المرحوم الملازم أول شرطة (م) محمد سلمي عطرون لم يكن
الدافع أبداً علاقة الصداقة والإخوة والزمالة التي تربطني
بإبنه عادل والتي بدأت منذ الصف الأول الإبتدائي بمدرسة
الخرطوم غرب(2) وإستمرت إلى يومنا هذا ... بل كان الدافع
الحقيقي للكتابة هو شخصية محمد سلمي عطرون المتفردة
والمتميزة في كل شيء فقد كان رحمة الله عليه عسكرياً لا
يجامل في عسكريته ، كان متميزاً في شدته وفي لينه ، في
عطفه وفي قسوته، في حديثه وفي صمته ..كان قليل الكلام وإذا
تكلم كان حديثه مليئاً بالحكم والمواعظ .. أذكر في أول يوم
لنا بكلية الشرطة وقبل أن يتم توزيعنا على الفصائل تم
توزيع المعلمين فجاءت الفصيلة الأولى مـن نصيب المساعد/
حسن صالح، أما الفصيلة الثانية للمساعد/ الزقندي ، الفصيلة
الثالثة المساعد / عبد العزيز ، الفصيلة الرابعة كانت من
نصيب المساعد/ محمد سلمي أما الفصيلة الخامسة فقد كانت
للمساعد/ الجدي والسادسة الرقيب أول / دفع الله صبر.. ثم
بدأ توزيع الطلبة على الفصائل الست وذلك حسب أقدمية كشف
الدخول إلى الكلية وجاء التوزيع بعادل سلمي إلى فصيلتنا
(الرابعة) وعندما لاحظ ذلك السيد الرائد / عوض وداعة الله
وكان قائداً للدفعة وبذكاء منه قام بإجراء تبديل بين
المساعد حسن صالح والمساعد محمد سلمي فجاء الأول إلى
الفصيلة الرابعة وذهب عمنا سلمي إلى الفصيلة الأولى .. ثم
بدأت الرحلة والتي استمرت لعامين كاملين لاحظنا خلالها بأن
المساعد / محمد سلمي عطرون كان قليل الكلام جاداً في كل
شيء نظيفاً أنيقاً يؤدي الحركات العسكرية بقوة وبطريقة
نشفق عليه منها ، كان حديثه لنا عندما يكون مساعداً للضابط
المناوب وفي وقت التمام الحتمي حديث الأب لأبنائه ، حديثاً
مليء بالحكم والمواعظ والأخلاق والمثل العسكرية. كان
يقدرنا ويحترمنا كطلبة والله على ما أقول شهيد لم يستفزنا
يومنا بكلمة جارحه أو خارجة عن حدود الأدب العسكري، وفي
إحدى الأيام وعندما حدثت مشاجرة محدودة بين عدد من أبناء
دفعتنا مع بعض المستجدين الذين كانوا يتلقون التدريب
بالكلية ظل يتحدث إلينا ولمدة تجاوزت الساعتين عن الفرق
بين الطالب والمستجد وانه ما كان يجب ان تحدث مثل هذه
المشاجرة لو أننا فعلاً نعرف قدر نفسنا وما زلت أذكر سؤاله
لنا : (إنتو عارفين الفرق بين الطالب والمستجد شنو؟)
وبالطبع ما زلت أذكر إجابته على هذا السؤال .
أما علاقته بالفصيلة الأولى فإن منسوبي تلك الفصيلة هم
أقدر مني في الكتابة أو الحديث عنها ولكن أذكر تماماً بأن
الفصيلة الأولى ولفترة العامين لم تتمتع بالـ (عشرة دقيقة
صفا) كاملة. فدائماً ما تنصرف الأولى عقب انصراف الفصائل
وتجمع أيضاً قبلها كلها .. أنا شخصياً لدي قصة طريفة مع
الفصيلة الأولى وعمنا سلمي ففي إحدى المرات وأثناء الـ
(عشرة دقيقة صفا) وبينما نحن مستمتعين بالراحة تحت ظلال
الأشجار ناداني احد المشرفين على دفعتنا وأعتقد بأنه
النقيب / حافظ الأمين كرم الله وطلب مني إحضار المناوب
العام للدفعة وكان من ضمن أفراد الفصيلة الأولى لحظتها
كانت الفصيلة الأولى تقف في هيئة ثلاثات وسريعاً خطوة
تنظيم والعجاج في السماء والبنادق مرفوعة إلى أعلى وكان
عمنا سلمي يتجول داخل الفصيلة ليلاحظ الزاوية القائمة
وإرتفاع الركبة لتحازي القاش .. وحضرت أنا وضربت قدمي
اليمنى بقوة على الأرض في وضع إنتباه وأديت التحية
العسكرية ، نظر على العم سلمي ولم يتحدث معي ولم يتركني
أتحدث بل قال لي بلهجة آمرة : ( شيل ليك بندقية وأدخل مع
إخوانك ديل) وقد كان إلى أن إنتهت الـ (عشرة دقيقة صفا)
وعندما ضربت الصافرة أخذ مني البندقية قائلاً : (عشان تشوف
شقاوة الفصيلة الأولى) عندما إنصرفت بالخطوة السريعة وحمدت
الله كثيراً أن عادل كان معنا في الفصيلة الرابعة . والآن
سأحكي لكم واحد من المواقف التي تؤكد لنا عظمة وحكمة
وإنسانية عمنا سلمي ، فقد لاحظ عدد من الضباط وكذلك أفراد
دفعتنا بأن هناك تشابه شديد بين عادل سلمي وعبد الباقي
دراج وكان كثيراً ما يحدث خلط وإلتباس للتعلمجية والضباط
بينهم ففي إحدى العصريات وعقب النشاط وفي لحظة صفا قام عدد
من الضباط بمناداة عادل وعبد الباقي ووقفا بالقرب من
بعضهما ثم قاموا بمناداة عمنا سلمي ووجهوا له السؤال
التالي : (وينو ولدك في ديل يا عم سلمي ؟) فأجاب في سرعة
بديهة وبحكمة قائلاً: ( كلهم أولادي يا سيادتك )!! هل
تمعنتم في بلاغة هذه الإجابة ؟! كلهم وليس هذان الاثنان
فقط .. لقد كان عمنا محمد سلمي عطرون أباً لكل دفعتنا وليس
عادل فقط فقد كان شديداً علينا من غير قسوة .. عطوفاً
علينا في غير لين .. قوياً علينا في غير عنف .. رحيماً بنا
في غير ضعف... وهذه هي صفات الأب تجاه أبنائه . ومن هنا
نبعت الحكمة في رده على السؤال بأنهم كلهم أولادي!!!
أما عنوان مقالي هذا فقد جاء - محمد سلمي عطرون –
تعلمجي خمسه نجوم – وهذه حقيقة لا تحتاج إلى جدال فقد عمل
عمنا سلمي في بداية حياته تعلمجياً بالقوات المسلحة إنتقل
بعدها ليكون معلماً بكلية السجون وإنتهى به المطاف معلماً
بكلية الشرطة.. و بكلية الشرطة تلقى التدريب على يده عدد
كبير جداً من الضباط خاصة بعد أن أصبحت الشرطة موحدة وهذا
يعني وجود عدد كبير من تلاميذ سلمي بالإدارات المتخصصة
وحتى ضباط جهاز الأمن والمخابرات نال البعض منهم حظ
التدريب وتلقي العلوم العسكرية على يد عمنا سلمي وحتى
عندما تقاعد محمد سلمي للمعاش برتبة الملازم أول وكان قد
بلغ السن القانونية تم إستيعابه للعمل بالمشاهرة في الشرطة
الشعبية فكيف لم أرتدي زي القوات المساحة والشرطة والسجون
لمدة تزيد عن أربعين عاماً أن يتقاعد هكذا بسهولة وإستمر
في مهنته التي يحبها إلى أن لقي الله راضياً مرضياً .. الم
أكن محقاً في عنوان هذا المقال ؟؟
وفي الختام اللهم يا رب العالمين إني أسألك الرحمة
والمغفرة لعمنا سلمي بقدر ما قدم للقوات النظامية من جهد
صادق وغيرة مهنية عالية وحب غير محدود لمهنته.. اللهم
أدخله الجنة مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً يا رب
العالمين واجعل اللهم البركة في أبنائه.. آمين .. ولأخي
وصديقي وزميل دراستي ودفعتي عادل سلمي عاطر التحايا ...
ولكـــم أنتم كل التقدير والتجلة والإحترام ..
والســـــــلام ...
علاء
الدين محمد الحسن
|