|
تظل منظومة السيادة الوطنية لعديد من دول العالم تمثل
قوتها فى امتلاك قرارها بعيدة عن الاملاءات المشروطة ،
وعلى الرغم من تعدد التعريفات التي يوردها الباحثون لمفهوم
السيادة الوطنية، فإن بينها جميعا قاسما مشتركا يتمثل في
النظر إلى السيادة باعتبارها السلطة العليا للدولة في
إدارة شئونها، سواء كان ذلك داخل إقليمها أو في إطار
علاقاتها الدولية، وبالتالي فإن السيادة تشير إلى معنيين
أحدهما إيجابي ويشير إلى قدرة الدولة -كوحدة سياسية
مستقلة- على التصرف بحرية كاملة ودون أي قيود تفرض عليها،
فضلا عن تلك القيود التي ترتضيها هذه الدولة بالتقدير
المنفرد أو بالاتفاق الدولي، والآخر سلبي يقوم على عدم
إمكانية خضوع الدولة لأي سلطة غير سلطتها. وبذلك يكون
لمبدأ السيادة وجه داخلي ينصرف إلى علاقة الدولة بمواطنيها
داخل إقليمها بحدوده السياسية المعلومة، ووجه خارجي ينصرف
نطاق تطبيقه على علاقة الدولة بغيرها من الدول والتي تقوم
على وجوب احترام الاستقلال الوطني والسلامة الإقليمية لكل
دولة وعدم جواز التدخل في شئونها الداخلية وجاءت أحداث
التسعينيات لتغير النظام الدولي، بعد اتساع مدى التدخل
وأسبابه خلال هذا العقد الذي شهد في النصف الأول منه أحداث
ومواقف وأزمات حادة في العراق والصومال وتاهيتي
ويوجوسلافيا السابقة ورواندا وليبيريا، وأما الأحداث
الأخرى التي حدثت في النصف الأول فقد ارتبطت بعدد من
القرارات ضد أفغانستان 1996- 1999م والسودان 1996م، ثم
كوسوفو وتيمور الشرقية في1999 والبوسنة والهرسك (( بتصرف
من موقع اسلام اون لاين )) وتعتبر قرارات الأمم المتحدة في
تلك الفترة نقطة تحول أسياسية بالنسبة لمفهوم السيادة
وكيفية إدارة الأمن والسلام الدوليين. وعكس الاستخدام
الجديد لصلاحيات مجلس الأمن الموجودة في الباب السابع
للميثاق بدء مرحلة جديدة من الجهود لحماية الدول والمجتمع
الدولي ولضمان سيادة الدولة، والذي قام على أساس أن تكتسب
الدولة أهليتها من خلال السيادة بجانبيها الداخلي والخارجي
إعادة تعريف مفهوم التهديد للسلام والأمن الدوليين،
وباعتبار أن الدول هي التي تكون المجتمع الدولي فأعاد مجلس
الأمن صياغة المبدأ الحاكم الذي يحمي الدول والنظام الدولي
الذي يعتمدون عليه، فالمبدأ القديم والمؤسس على مفهوم
السيادة كان حماية الدولة ضد التدخل في شئونها الداخلية
والحفاظ على النظام والاستقرار باتخاذ إجراءات لوقف
العدوان الخارجي المسلح ضد الدول.
الآن تغير الحال وتغيرت الاحتياجات وأصبح التحدي الذي
يواجه السلام والأمن هو حماية النظام الدولي الذي تعتمد
عليه الدول من الفوضى وعدم الاستقرار نتيجة ما قد يحدث من
أحداث وقلاقل داخل بعض الدول الأخرى، الأولوية الآن هي منع
الاضطرابات الداخلية في الدول من أن تنتقل عدواها إلى
الجسد الدولي فتؤثر على غالبية الدول التي تعتمد عليها.
وقد سارت التطورات العديدة التي شهدها النظام الدولي في
عقوده الأخيرة في اتجاه تقليص دور السيادة الوطنية وإيلاء
أهمية خاصة للعمل الجماعي في نطاق العلاقات الدولية
المتبادلة. وبرغم أن حق الدولة في العمل بقوانينها وحقها
في أن تكون في مأمن من التدخل الخارجي لم يسلب تماما، فإن
القداسة التي أحاطت بها كمظاهر أساسية لسيادة الدولة لم
تعد كما كانت من قبل، وأصبح لممارسة الحقوق شروط من منظور
المساءلة الدولية ليس كحقيقة واقعة ولكن من ناحية المبدأ
على الأقل، لقد تم تدويل السيادة. ويعني مفهوم تدويل
السيادة وجود نظام لمساءلة الدول في حالة تعسفها الشديد في
ممارسة حقوق السيادة. وقد تأكد هذا الشرط الجديد لسيادة
الدولة
وعلى ضؤ هذه المفاهيم الى احدثت نقلات نوعية لسيادة الدول
، فقدت العديد منها مصطلح الارداة الوطنية التى اشرنا
اليها، فالدول قد تكون لها سيادتها على مواطنيها ليس
بالقدرالمتعارف عليها . ويكفينا دليلاًعلى ذلك بأن
الولايات المتحدة الامريكية أضحى لديها مبعوثين خاصين بها
يأتون ويتحركون متى ما يشاؤن . فأصبح لهؤلاء دوراً نافذً
على سيادة الدول ووقد ظهر ذلك جلياً مع موعد اقتراب
استفتاء جنوب السودان ، على الرغم من نصوص اتفاقية السلام
او ما يعرف بإتفاقية نيفاشا بداً بالرعاية الدولية لها ،
حيث يستشرف السودان في التاسع من يناير 2011 إجراء
الاستفتاء على حق تقرير المصير لمواطني جنوب السودان. وهو
أحد البنود الرئيسية في اتفاقية السلام الشامل التي تم
توقيعها في نيفاشا في كينيا عام 2005م. حيث تم التوافق بين
أهل السودان على منح الجنوبيين الحق في تقرير مصيرهم
بالتصويت: أما لبقاء جنوب السودان ضمن السودان الموحد، أو
لانفصاله عن السودان وإقامة دولة مستقلة خاصة بهم. وقد
توافق الطرفان الشريكان في اتفاقية السلام الشامل على
العمل من أجل إقناع المواطن الجنوبي بالتصويت الطوعي لصالح
خيار الوحدة. وهذا ما يعمل من أجله معظم الساسة وأصحاب
الفكر والرأي وقادة المجتمع المدني وعامة المواطنين في
السودان إلا أن توقعات الكثيرين من السودان سوف يظل
واحداً موحداً، إلا ان معطيات مؤشرات ما اشرنا اليه من
مفهوم السيادة الوطنية . اضحت مصالح الدول الغربية وعلى
رأسها اسرائيل ومن ورائها امريكا وما ترمى اليها من خلال
التوغل داخل جنوب السودان للوصول للسيطرةعلى منابع النيل ،
وأصبح امر لا تخطئه العين عندما تمت دعوة النائب الاول
لرئس الجمهورية ( سلفالكير ميارديت) وبعض من اعضاء حكومته
قبل اسبوع من حضور الوفد الحكومى لحضور اجتماعات الجمعية
العمومية للامم المتحدة برئاسة نائب رئيس الجمهورية
الاستاذ / على
عثمان محمد طه ، على الرغم من اننى لا أود الخوض فى تفاصيل
ما دار فى كلا الاجتماعيين ، إلا أن مؤشراته توضح بجلاء
دعم الولايات المتحدة لدعاة الانفصال ، ومتغيرات لغة
السيد النائب الاول فى ترجيح كفة الانفصال ، ناسياً او
متناسياً أن الاتفاقية نفسها تدعو كلا الشريكين لجعل خيار
الوحدة خياراً جاذباً .
ومع اقتراب موعد استفتاء جنوب السودان تزداد وتيرة الدعوة
للانفصال ، ومازالت اهم قضية معلقة ، وهى قضية ترسيم
الحدود ، ومنطقة ابيي هى قنبلة موقوتة وضعت لتزداد حدة
التوتر بين قاطنيها ، وأصرار اللوبى الامريكى ، على قيام
الاستفتاء فى موعده ، مما يؤكد أن سيادة الدول على قرارتها
ذهبت مع تدويلها ، مما يجعل منظومته تقع تحت مواعين هذه
التدخلات ، التى تتبناها دول البغى والاستكبار لتحقيق
اهدافها وليس وفقاً لمصالح شريكى نيفاشا فى جعل هذا البلد
آمناً موحداً ، فهل استوعبنا هذا المفهوم لجعل ارادتنا هى
الاقوى ، ، ، والله المستعان . .
د/ بدرالدين ميرغنى عبدالله
جامعة الرباط الوطنى
2/11/ 2010م
|