|
ما شدنى للكتابة فى هذا الموضوع وما شدنى ايضاً للغوص فى
بحور من الايدولوجيات المتشابكة ، ومما استفزنى فى رسم
هذا المقال هو بحث قدم لنيل درجة الماجستير فى العلوم
الاستراتجية والامنية للواء شرطة ( م) / محمود احمد العطا
بكلية الامن العليا بالخرطوم فى مطلع الشهر المنصرم ، وهو
يتناول بمنهجية علمية متفردة دور الاجهزة الامنية
واستراتجية الامن الفكرى . هذا الموضوع الذى تناوله
الباحثون من زوايا قد تنحصر فى ايدلوجية الامن العقائدى
والذى كما تابعنا بأن النظرة اليه من زوايا هذا الجانب قد
يغفل جوانب اخرى قد تكون قى غاية الخطورة والتصور فلابد
لنا بأن نقر ونعترف بأن الهوية الفكرية ، والخصوصية
الثقافية ، مسألة حتمية ، ومسلمة لا يمكن مناقشتها ، أو
إعادة النظر فيها ، بغض النظر عن الكلام الطويل ، والجدل
الدائر حول العولمة ، ومفهوم ان العالم اضحى مجرد قرية
صغيرة . فلا يمكن ان نقول بان الايدلولجيات فى طريقها
للزوال ، وهى قضية لا تصمد أمام النقد الموضوعي . لأن
العالم ليس مبرمجاً فى اتباع ما يرآه او يسمعه حتى يفرض
عليه نتيجة مصالح مشتركة تقرها بعض سياسات الدول فى
مكافحتها او محاربتها لافكار بعينها وستبقي الثقافات
والحضارات ، بأبعادها التاريخية ، وأفعالها المكتسبة.هى
المحرك الاساسى لكوامن الخير ودوافع الشر الذى فطرنا عليه
فالاستلاب
الحضاري لا يولد تبعية فقط . إنه يبذر جرثومة الصراع
الاجتماعي العنيف ، الذي يقسم المجتمع إلى تيارات متناحره
، تقود في النهاية إلى تقاتل ، وتشرذم ، وتمزيق ، للكيانات
السياسية والبنى الاجتماعية .داخل فئات المجتمع ، فارتفعت
نسبة الجريمة وأزداد الانشقاق الاجتماعي ، بسبب الاغتراب
الثقافي ، وتكرست الطبقية ، ونشأ ت تيارات العنف السياسي
والديني .
و (الأمن الفكري) كما جاء فى مقال العميد صالح بن محمد
المالك بجريدة الجزيرة السعودية العدد 11781 بتاريخ
30/12/2004 (( يعني الحفاظ على المكونات الثقافية الأصلية
في مواجهة التيارات الثقافية الوافدة أو الأجنبية
المشبوهة، وهو بهذا يعني حماية وتحصين الهوية الثقافية.
وهذا -ايضاً- يعني أن الأمن الفكري هو الحفاظ على العقل من
الاحتواء الخارجي،
وبناء عليه يمكن القول بأن مسألة الامن الفكرى تهم
المجتمع مثلما تهم الدولة، وهي قضية المحكوم كما أنها قضية
الحاكم. الأمن الفكري هو إحساس المجتمع أن منظومته الفكرية
ونظامه الأخلاقي، الذي يرتب العلاقات بين أفراده داخل
المجتمع، ليس في موضع تهديد من فكر وافد، بإحلال لا قبل له
برده، سواء من خلال غزو فكري منظم، أو سياسات مفروضة.
وليس المقصود بالأمن الفكري للأمة أن نغلق النوافذ على
الثقافة العالمية، ونتهمها بغزو العقول ونخرها. فنحن نحتاج
إلى ثقافات الشعوب، نأخذ منها ما يتوافق وقيمنا وعقائدنا
ومبادئنا.
فالأمن الفكري إذاً مسؤولية اجتماعية تقع على عاتق
جميع المؤسسات المجتمعية المختلفة ابتداء بالأسرة ثم
المدرسة فالجامعة والمسجد ووسائل الإعلام وبقية المؤسسات
المجتمعية الأخرى. وأي تقصير من أي من هذه المؤسسات ستكون
عاقبته وخيمة على المجتمع بأكمله. ومن أهم وسائل الأمن
الفكري التركيز على الثقافة الأمنية، كما عرفها الدكتور
أحمد حويتي بأنها جزء لا يتجزأ من الامن الفكري للأمة أو
المجتمع. وهي تعني الحصانة الفكرية من خلال التوعية
الأمنية لأفراد المجتمع. وتعني أيضاً غرس المفاهيم
الأمنية، في عقول الناشئة، والتعريف بالدور الكبير الذي
يضطلع به رجال الأمن، وتضحياتهم في حماية أمن المواطن
والوطن، والتضحيات التي تقوم بها الأجهزة الأمنية في سبيل
الوقاية من الجريمة، ومكافحة السلوك المنحرف .
ان ما
اشار اليه العميد صالح قد تكون اضافات تتولد عليها كثير
من التساؤلات ، وكثير غيرها ، تصب في مفهوم الأمن الفكري ،
مثلما هي تمثل سؤال التنمية العريض . إن الأفكار المتطرفة
لا شكل ، ولا وجهة محدده لها . فالتطرف يمكن أن يكون يمينا
أو يسارا . يمكن أن يحمله فرد أو أفراد ، ويمكن أن يصدر من
مؤسسات . يمكن أن يكون ممارسة سلطة ، أو سلوك جماهير .
يمكن أن يكون على شكل كتاب ، أو مقال ، أو خطبه ، ويمكن أن
يقدم في شكل سياسات ترسمها كثير من الدول او الجماعات
للوصول لاهداف استرتيجية فى كيفية السيطرة على العقول
لتنفيذ اجندتها الخاصة لاستعمار اشدة ضراوة ، باستعمارها
لهذه العقول اذا وجدت بأ الارض سهلة وخصبة ، لان الأمن
الفكري يتحقق حينما يكون هناك صلح بين ما تؤمن به الجماعة
، وما تطالـب بتأديته . الأمن الفكري يتحقق حينما لا تكون
شرعية وجود (أي مجموعة) ، من خلال المنظومة الفكرية
والقيميه ، التي تؤمن بها ، مهدده بممارسات مفروضة لا
تستطيع مدافعتها ، والأمن الفكري يتحقق حينما تنسجم
السياسات التنموية مع الثوابت ، وحينما لا تكون تلك
السياسات التنموية ، بحكم كونها طريقة تفكير ، وأسلوب حياة
، مهددا للشرعية التي يستمد منها الكيان ، سواء كان
اجتماعيا أو سياسيا ، مبرر وجوده .
لذا ، لا يمكن الحديث عن أمة ، أو شعب ، أو نظام سياسي لا
يعتمد في شرعيته على (أيدولوجية) ، هي خلاصة النتاج
الثقافي للأمة والشعب ، عبر فترات تاريخية متفاوتة، وهي في
الوقت نفسه منظومته الفكرية والقيمية ، وموضوع أمنه الفكري
.
وبنا ءعلى هذه
الاشارات المنتقاة عبر هذه المقال فإن الامر يحتاج لتضافر
كل الجهود بداية بالدولة عبر مؤسساتها ، والجامعات
والمدارس بل حتى داخل بيوتنا لمراقبة تصرفات ابنائنا ،
ووضع كل التدابير الاحترازية التى من شأنها ان تلعب دوراً
هاماً للامننا الفكرى ، ، ،
د/
بدرالدين ميرغنى عبدالله
جامعة الرباط الوطنى
2/5/ 2009م
|