|
ما هي القيلولة :-
فكثير منا يجهل معنى القيلولة فيحسبها
السامع أنها فترة (للكُسالى) ودائماً يلجأ لها أولئك
الأشخاص ( العطالة ) أي الذين ليس لديهم عمل
ولكن هذا مفهوم خاطئ أحببت أن أوضحه لنفسي وللقارئ الكريم
، حيث أننا في وطننا الحبيب مبتعدون عنها كل البعد ، فعسى
أن تجد النور عبركم .
فهي وقفة قصيرة في مسير الحياة اليومية، ومحطة عابرة في
صلب زحمتها وصخبها، أو قيظ حرها وسكونها. وفترة يخلد فيها
الإنسان إلى السكينة للإسترخاء والإستراحة، أو للتأمل
والتفكير، أو لتفريغ شحنات الهواجس والقلق ، وقد ظلت
العديد من بلدان الشمال المصنعة تعتبر القيلولة مؤشراً على
الكسل والخمول ودرجة الصفر في الكفاءة لكنها أصبحت في
السنين الأخيرة تقتنع بفوائدها وأهمية إعتمادها في
مجتمعاتها. ولعل القيلولة من أبرز ما ستأخذه بلدان الشمال
عن بلدان الجنوب في إطار العولمة.
تعريفها :-
القائلة، الظهيرة ، والقيلولة: نومة نصف
النهار، والنوم في الظهيرة، وقال الأزهري: القيلولة
والمقيل عند العرب الإستراحة نصف النهار ،كما يقال لها
الغائرة والتغوير، وأصلها غار النهار: أي إشتد حره. ومن
ذلك قولهم: غوروا ساعة ثم ثوروا.
تقسيم القيلولة:-
وتقسم القيلولة بشكل عام إلى ثلاثة أنواع:-
- القيلولة الملكية أو الطويلة: وهي التي تتعدى ثلاثين
دقيقة.
- القيلولة المعتدلة : وتكون ما بين 5 و30
دقيقة.
- القيلولة السريعة وهي
الغفوة القصيرة التي لا تتعدى خمس دقائق.
لكن أغلب الدراسات تؤكد أن المدة المناسبة للقيلولة هي من
15 إلى 20 دقيقة، وأن التوقيت الأفضل لها هو ما بين الساعة
الواحدة والساعة الثالثة بعد الزوال، وهي الفترة التي
ينخفض فيها النشاط الفكري والجسمي للإنسان، وهي كذلك ثاني
فترة تقع فيها أغلب حوادث السير الخطيرة، بعد الفترة
الليلية الممتدة ما بين الثانية والخامسة صباحاً.
أما أماكن القيلولة فتكون بين إختيار
وإضطرار، في الهواء الطلق أو أماكن مغلقة، على فراش النوم
أو على ما توفر، في وضع جلوس أو إمتداد أو كيفما إتفق
حتى ولو وقوفاً. وهذه الأماكن غالباً ما تكون: ( المنازل،
مقرات العمل، الحدائق العمومية، المساجد، وسائل النقل، تحت
ظل الأشجار الوارفة في البوادي، على شاطئ البحر، داخل
قاعات السينما والمسارح ...الخ) .
القيلولة في القرآن الكريم :-
جاء ذكر القيلولة في القرآن الكريم في
موضعين هما :-
قول الله تعالى : ) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ
خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ( وكما جاء في
قوله تعالى )وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا
بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قائلون (، قال في تفسير
القمي : " أَوْ هُمْ قائِلُونَ يعني وقت القيلولة نصف
النهار " .أي موضع قائلة ، وإن لم يكن مع ذلك نوم و الدليل
على ذلك أن الجنة لا نوم فيها و قال ابن عباس و ابن مسعود
لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة
و أهل النار في النار .
القيلولة في حياة المسلمين:-
ورغم كثرة الأبحاث العلمية التي تناولت القيلولة ومع أهمية
هذه الأبحاث، فإننا نشير إلى القيلولة على أنها سنة نبوية
مهجورة، وحين يطبقها المسلمون يطبقونها إقتداء بالنبي صلى
الله عليه وسلم حتى يكون في فعلها إتباع للنبي صلى الله
عليه وسلم ينال منه المسلم ثواباً من الله تعالى مع ما
فيها من الفوائد.
ومن المعلوم أن القيلولة هي نومة وسط
النهار، وكان من السنة أن يقيل المسلمون إذا كان الجو
حاراً، ويؤخرون صلاة الظهر فيصلون جماعة وليس فرادى إلا
يوم الجمعة فإنهم كانوا يبكرون بالصلاة ثم يقيلون بعدها.
أخرج ابن ماجه بسنده عن سهل بن سعد، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما كنا نقيل
ولا نتغدى إلا بعد الجمعة"، وفي صحيح البخاري عن
أنس بن مالك قال: "كنا نبكر بالجمعة ونقيل بعد
الجمعة".
بل الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
كان يحافظ على نومة القيلولة، فقد أخرج البخاري عن أم
حرام بنت ملحان أخت أم سليم أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال عندهم، فإستيقظ وهو يضحك . قالت:
فقلت يا رسول الله: ما أضحكك؟ قال : رأيت قوماً ممن يركب
ظهر هذا البحر كالملوك على الأسرة. قالت : قلت يا
رسول الله، أدع الله أن يجعلني منهم. قال: فإنك منهم.
قالت: ثم نام فاستيقظ وهو يضحك. قالت: فقلت يا رسول الله
ما أضحكك؟ فقال مثل مقالته. قالت : قلت يا رسول الله، أدع
الله أن يجعلني منهم. قال: أنت من الأولين. قال فتزوجها
عبادة بن الصامت فغزا في البحر فحملها معه، فلما رجع
قربت لها بغلة لتركبها فصرعتها، فا ندقت عنقها فماتت
. ويلاحظ أيضاً أن الصحابة كانوا يحرصون على وقت القيلولة
حرصا شديداً، حتى إن أحدهم إن لم يستطع القيلولة بالبيت
قال في المسجد.
فوائد علمية للقيلولة:-
ومن تلك السنن التي أضحت معدومة في حياة
المسلمين سنة القيلولة، وبدأ أهل العلم يتحدثون عنها وعن
فوائدها، وكتبت فيها أبحاث هامة تؤكد فوائدها العلمية.
ويشير الدكتور حسان شمسي باشا إلى ما أكده
الباحثون في دراسة نشرت في مجلة "العلوم النفسية"
عام 2002م من أن القيلولة لمدة 10 – 40 دقيقة (وليس
أكثر) تكسب الجسم راحة كافية، وتخفف من مستوى هرمونات
التوتر المرتفعة في الدم نتيجة النشاط البدني والذهني الذي
بذله الإنسان في بداية اليوم. ويرى العلماء أن النوم لفترة
قصيرة في النهار يريح ذهن الإنسان وعضلاته ويعيد شحن
قدراته على التفكير والتركيز ويزيد إنتاجيته وحماسه للعمل.
وأكد الباحثون أن القيلولة في النهار لمدة لا تتجاوز 40
دقيقة لا تؤثر على فترة النوم في الليل أما إذا امتدت
لأكثر من ذلك، فقد تسبب الأرق وصعوبة النوم.
وتقول الدراسة التي تمت تحت إشراف الباحث
الأسباني د. إيسكالانتي: "إن القيلولة تعزز الذاكرة
والتركيز وتفسح المجال أمام دورات جديدة من النشاط الدماغي
في نمط أكثر إرتياحاً. كما شدد الباحثون على عدم الإطالة
في القيلولة لأن الراحة المفرطة قد تؤثر على نمط النوم
العادي. وأشار الدكتور إيسكالانتي إلى أن الدول الغربية
بدأت تدرج القيلولة في أنظمتها اليومية.
القيلولة جزء من الإيقاع البيولوجي:-
ويرى العلماء أن القيلولة تلبية لحاجة
فيزيولوجية بالنسبة للطفل إلى حدود سن الرابعة، وتبقى بعد
ذلك جزء من إيقاعنا البيولوجي. ولعلها كذلك غريزة حيوانية
، فمعظم الحيوانات تلجأ إلى القيلولة وتوقف نشاطاتها في
منتصف النهار، خاصة ما بين الساعة الواحدة والساعة الثالثة
بعد الظهر. ويلجأ إلى القيلولة عادة، للإستراحة وتجنب
الحر ، أو للهضم بعد الأكل، أو للراحة بعد النشاط الجسمي
والذهني المكثف في الصباح أو للتعويض عن الحرمان من النوم
ليلاً.
والقيلولة تختلف عن النوم بالليل، ولا تؤثر
فيه إذا كانت متوسطة أو ومضة. فإذا كان النوم يجدد وينشط
ويحافظ على خلايا الجسم والدماغ، فإن القيلولة تساهم في
إراحة الدماغ والإسترخاء البدني والعضلي، وتعزيز قدرة
الإدراك والتلقي. وقد أكد العلماء أن فترات القيلولة
القصيرة في منتصف النهار، تلغي تأثير التعب وتعيد
الإستقرار والحيوية والنشاط للذهن والجسم.كما أكدت البحوث
العلمية الحديثة أن أخذ غفوة قصيرة، أثناء العمل يجدد
الطاقات الفكرية والجسدية للعاملين ويزيد إنتاجيتهم
وقدرتهم على تحمل ظروف العمل بصورة أفضل. كما تساهم
القيلولة في التخلص من الجزع والقلق.
فوائد القيلولة الإيمانية:-
وإن كان للقيلولة فوائد صحية، أشارت إليها
الأبحاث، فإن للقيلولة فوائد إيمانية، أهمها:-
إراحة الجسم حتى يستطيع القيام بالعبادة،
فكلما كان الجسد في راحة، بعيدا عن الإجهاد والتعب، كان
أداء الإنسان لعبادته أفضل، وفرق بين من يتجهز للصلاة
والطاعة، وبين من يفعلها إسقاطا لأداء الواجب، ولعل أحدنا
يتذكر يوما كان فيه مجهدا، فقام للصلاة، فما وجد فيها إلا
أداء للحركات، بغية إسقاط الفريضة، أو أنه قرأ القرآن وهو
مجهد، فما عاش مع معانيه، ومن هنا، فإن إراحة الجسد
بالقيلولة فيه دعوة لإتقان العبادة.
الاستعداد لقيام الليل، فإن استرخاء الجسد
بسنة القيلولة لا يجعل الجسد ينام كثيرا، مما ينهض أصحاب
الليل لأداء أشرف عبادة في الإسلام، وهي قيام الليل، فقد
أخرج ابن ماجه والطبراني عن ابن عباس مرفوعا إلى النبي صلى
الله عليه وسلم: "استعينوا بطعام السَحَر على صيام النهار،
وبالقَيْلُولَةِ على قيام الليل". قال حجة الإسلام: وإنما
تطلب القيلولة لمن يقوم الليل ويسهر في الخير فإن فيها
معونة على التهجد، كما أن في السحور معونة على صيام
النهار، فالقيلولة من غير قيام الليل كالسحور من غير صيام
النهار. والقيلولة مما يساعد الإنسان على المحافظة على
صيام النافلة، فقد أخرج البزار كما في اللآلئ من حديث
قتادة سمعت أنسا يقول: ثلاث من أطاقهن أطاق الصوم: من
أكل قبل أن يشرب، وتسحر، وقال، يعني نام بالنهار وقت
القيلولة.
القيلولة من شيم الصالحين، وقد كان السلف
رضوان الله عليهم يحرصون عليها أشد الحرص، لما لها من أثر
كبير في حياة الإنسان، حتى إن الواحد ليتابع عماله وأهل
بيته في المحافظة عليها، ففي حديث مجاهد قال: بلغ عمران
عاملا له لا يقيل، فكتب إليه أما بعد فقِلْ فإن الشيطان لا
يَقيل.
وعن أبي فروة أنه قال القائلة من عمل أهل
الخير، وهي مَجَمَّة للفؤاد، مِقْواة على قيام الليل.
فهل نعود إلى سنة القيلولة، أم تتيه منا في
زحام العمل؟!
القيلولة تزيد من انتاجية العمال :-
و الجدير بالذكر أن العلماء توصلوا إلى
معلومات تسترعي الإنتباه بالنسبة إلى نومة القيلولة ، فقد
أفادت دراسة صادرة عن "معهد علم النفس الأندلسي" في جنوب
أسبانيا أن القيلولة تزيد من إنتاجية العمال وتساهم في
إزالة التوتر . ذلك لأن القيلولة تؤدي إلي الراحة الدماغية
والإرتخاء العضلي والعصبي بما يساعد على زيادة إنتاجية
العمال حسب هذه الدراسة التي نشرت تحت إشراف الباحث سيزار
ايسكالانتي والتي ذكرناها سابقاً .
هذا و لقد طلبت كبرى المؤسسات الأمريكية
واليابانية من العاملين بها ضرورة اللجوء إلى فترة
القيلولة لمدة تتراوح من 5 إلى 30 دقيقة يوميا لمالها من
فوائد عديدة للجسم خاصة بالنسبة للأشخاص المعروفين بالنشاط
الزائد والذين يعانون من ضغط عصبي في أعمالهم ، فقد كشف
فريق من الباحثين الأمريكيين أن فترة القيلولة القصيرة
تعمل على خفض نسبة الهرمون المسئول عن الضغط . والجدير
بالذكر أن بعض المؤسسات وفرت لعملائها المكان الذي يستريح
فيه فترة القيلولة .
فنجد الصينيون يسمونها "ووكسيو" أي إستراحة
الزوال، وقد نص عليها الدستور الصيني كحق لجميع العمال في
هذا القسط من الراحة، ولذلك تتوقف الحركة في المكاتب
للتمتع بها في طقوس خاصة.
وإنطلاقا من تجاربهم على رواد الفضاء، توصل
خبراء وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" إلى أن السماح
للعاملين بالنوم في مكاتبهم لفترة لا تزيد عن 45 دقيقة بعد
الظهر يزيد من كفاءة عملهم بنسبة 35 في المائة. وأحدثت عدة
شركات أمريكية غرف خاصة للقيلولة، لاعتقادها بأن ذلك يمكن
أن يؤثر في نشاط الفرد وإبداعه لبقية اليوم. وكانت شركة
"آبل" السباقة في فرنسا، سنة 1990م، إلى إحداث مرافق
للقيلولة خاصة بالمستخدمين.
وللناس في القيلولة مذاهب:
ويمكن القول بأن القيلولة هي أيضا نتاج
للتقاليد والأعراف الإجتماعية، حيث تدمجها عدة شعوب في
تقاليدها اليومية. وهي على الخصوص من نمط حياة سكان البحر
الأبيض المتوسط وأمريكا الوسطى والجنوبية. واعتمدتها بعض
الشعوب كإستراتيجية للعلاج ومكافحة الأمراض، حيث يتمكن
الجسم خلالها من إعادة التوازن ومقاومة الميكروبات.
وعرفت القيلولة في العديد من الحضارات
القديمة، مارسها الصينيون منذ قرون وقرون خلت، وكان
الفراعنة يدعون بعضهم البعض للإستمتاع بالقيلولة.
ومن الذين اشتهروا عبر التاريخ بمزاولة
القيلولة
نابليون بونابارت، الذي عرف بإغفاءاته الكثيرة،
حتى خلال المجالس الوزارية، حيث يغفو ثم يستيقظ بعد حين
ليواصلها، وكان قد نام في"الشينغين" على كرسيه وأمامه
جنرالاته الذين انتظروه واقفين حتى إستيقظ. كما إشتهر
الفنان
سالفادور دالي بقيلولة متميزة، حيث كان يسترخي
على الكرسي ممسكا بأصبعيه ملعقة ما أن يغفو حتى تسقط
فيستيقظ.
فمن منا الآن يحظى بالتمتع بهذه الفترة
المهمة في مسيرة حياته .........؟؟؟
مع وافر تقديري وإحترامي لكم ،،،،
رقيب أول
شرطة / محمد عز الدين إدريس
هيئة الشئون المالية والامداد
((المكتب التنفيذي )) |