اعلان المعاينة الاولى للدفعة 66 .::. طريقة استخدام البريد الالكتروني .::. وصول قائد عام شرطة دبي للبلاد عصر اليوم .::. مدير عام قوات لشرطة يؤكد جاهزية الشرطة لأداء واجباتها .::. تشكيل لجنة لتخليد ذكري الراحل الفريق د. العاص

مواقع تهمك

وزارة الداخلية السودانية .:. أذاعة ساهرون .:. مركز المعلومات .:. شرطة دبي .:. وزارة داخلية  قطر  .:. وزارة داخلية الكويت  .:. وزارة داخلية عمان .:. وزارة داخلية مصر  .:. وزارة داخلية اليمن  .:. وزارة داخلية الأردن  .:. وزارة داخلية السعودية  .:. وزارة داخلية لبنان  .:. وزارة داخلية فلسطين  .:. وزارة داخلية العراق  .:. وزارة داخلية سوريا  .:. مجلس وزراء الداخلية العرب  .:. جامعة الدول العربية  .:. منظمة حقوق الإنسان   .:. وكالة الاستخبارات المركزية الامريكيه  .:. جامعة نايف  .:. الأمم المتحدة   .:. 
مشروع الرقابة الالكترونية يؤدى الى التزام مستخدمى الطريق بقواعد المرور؟
اوافق
لا اوافق
لا يؤثر

أفضل تصفح 768 × 1024
 

   


 
عميد شرطة /نبيل معتصم محمد علي
عنوان المقال  :اصـداء 1
أضيف بتاريخ 26/8/2008
أسم العمود : قصاصات
نص المقال :

اصـداء 1

في عددها الخاص بمناسبة اليوبيل الفضي لإجتماعات قادة الشرطة العرب في أكتوبر 1997م تم نشر هذه القصة الواقعية ـ مأساة الصحراء ـ بل مأساة الإنسانية بمجلة الشرطة السودانية التي تصدرها وقتها الإدارة العامة للتوجيه المعنوي والتي كان يرأس مجلس إدارتها سيادة اللواء شرطة: هجو محمد أحمد الكنزي نائب مدير عام قوات الشرطة، بيد أن بداية المأساة كانت قد إرتسمت فصولها الدامية في مطلع العام 1983م من ثمانينات القرن الماضي .. ذاك القرن الذي رحلَّ عن فضاءات الولاية الشمالية بعد أن ترك آهات متفرقة في وجدان بنيها ومسافريها الذين كانوا يعبرون الصحاري في غدوهم وترحالهم.

وبمرور ما يزيد على العقد من الزمان على بدايات النشر وعقدين ونصف العقد على وقوع المأساة جرت مياهٌ كثيرة على جسور عدة في إتجاهات مختلفة .. برز إلى الحياة جيل بل أجيال كُثر .. تطورت وسائل المدنية .. تبدلت مفاهيم ورؤى وقراءات .. فكانت دراسات الجدوى .. وكان الإقتصاد والعلم .. وكان بداية الميلاد الحقيقي في ذاك الإتجاه الذي أدمن الصبر على مر حقب التاريخ بشقيه الإنساني والسياسي على الرغم من أن حاكمية الوطن في بعض تلك الحقب كانت تنحدر من ذاك المكان .. إلا أن سمة الحياء الزائد الذي كانت تتمتع به تلك القيادات الحاكمة كان يحول بينها وبين إلتفاتة مرجوة كان من الممكن أن تحفظ أرواح من مضوا على هذه الطرقات المُقفِّرة .. بيد أننا في هذه الحقبة المعاصرة من عمر الإنسانية نطالع الجهود الرامية لتحسين الصورة التي أرهقتها السنين العجاف وهي تنخر في إطارها البالي الذي ما عاد يقوى على الصمود أمام رنات الصبر والجلد والتحديق في وجه اللانهاية وفي تجاعيد المستحيل.

وبعد كل هذه الأزمان المتعاقبة ظل الكثير من الأحباب والمهتمين بشئون الإنسانية يلاحق قلمي الصغير بضرورة إعادة نشر المقال بحسب متغيرات كثيرة طرأت على الساحة الإنسانية والإقتصادية أوجبتها ضرورات التنمية القومية الحديثة وباركها الخبراء والحكام ناظرين في أن إعادة النشر هذا ما يُعيد إلى أذهان القادمين الجدد إلى الحياة تضاريس لوحات قديمة إكتست عتامة سوداوية وملامح تضحيات ومجاهدات وأناة، ولتربطهم بذكرى الماضي الآسف وبريق المستقبل الحاضر ليتمكنوا عبر تلك الإطلالات من الإطلاع على مشاهد متباينة وحقب مندثرة .. فيثرى خيالهم ويطمئن بالهم .. كل ذلك ومياه كثيرة كما أسلفت قد جرت تحت الجسر ودماءٌ زكية قد سالت طاهرةً وروت ذلك الجسر العلامة .. جسر ملحمة الفداء عند مرقد النهر ناحية العاصمة الوطنية التليدة .. عندما سد الطريق فرسان تكسرت عندهم النصال وإرتدت على أجسادهم النورية ضربات النبال .. فحالوا بأجسادهم الندية دون بلوغ الغزاة لأمارة السلطان العلوية الصفوية .. فطوبي للراحلين في ذاك المشهد البديع .. إذ لعلى الآن أنظر إليهم في عليائهم الفخيمة وفي هالاتهم البهية وهم يلوحون لنا برايات الفوز وترانيم النصر وفي جواهم حسرة علينا لأن لم نلحق بهم في خيلائهم الأبدية.

إزاء هذه المناشدات المخلصة نعيد ترتيب أوراق الذاكرة ليطل عليكم المقال مرة أخرى، وقد آثرت أن تسبقه هذه المقدمة الإيضاحية لعل في ذلك ما يفضي إلى فائدة المطلع ..

لعل المراقب في ذاك الزمان يلحظ الإرتفاع اللافت لضحايا الطرقات البرية بالولاية الشمالية في تنقلهم إلى خارجها لولايات أخرى أو حتى بداخلها في حال من مدينة لأخرى وكثير من هذه الأحداث كان يمر في سكون وخفوت ودون تسليط إضاءة إعلامية تبرز عمق جراحه وعميق أحزانه في زمن كانت لا تتمدد فيه الآلة الإعلامية لتغطي كل أصقاع الوطن قبل أن تقتحمنا ثورة الإعلام وتحيل العالم إلى كرة صغيرة يتقاذفها الجميع في لا عناء.

إلا أن أشهر أحداث وفواجع هذه الطرق بالولاية الشمالية ما شهدته مدينة الدبة ـ تلك المدينة الوادعة التي تزين مسار النيل عند إنحناءته ـ في مطلع الثمانينات من القرن الماضي من مأساة محزنة أحدثت صدىً داوياً وإهتماماً لافتاً لأسباب ترتبط بشخوص أطرافها ولكون الرحلة كانت داخلية قصيرة الخطوة لا طويلتها، علاوةً على ما صاحب وقوعها من تأويلات .. وإستنتاجات .. وترويجات وإفتراءات جانبها الصواب وتبرأ منها الحق.

تبدت تفاصيل الحدث الأسطوري في صباحات ذاك اليوم السابق  لرمضان المعظم من العام 1983م ولم أكن وقتها أعمل في منظومة ضباط شرطة المديرية الشمالية إذ كنت أترأس نقطة شرطة قيسان الحدودية بمديرية النيل الأزرق في مدخل حياتي العملية عندما بدأت بعض الصحف السيارة التي كانت تصلنا لماماً في تلك الأصقاع النائية من الوطن تتناقل خبراً مفاده إختفاء ضابط إداري منطقة عبري ـ تلك المنطقة الواقعة في الجزء الشمالي من المديرية الشمالية ـ وسائقه عندما كانا في رحلة داخلية من مدينة عبري إلى مدينة الدبة وبالأحرى قرية كرمكول الوطن الصغير للضابط الإداري لمدينة عبري عبدالباسط بخيت عبدالباسط ـ كما وهي مسقط رأس الروائي العالمي الطيب صالح كما تعلمون ـ وقد تجرأت بعض هذه الصحف وألقت باللائمة على حاكم الإقليم الشمالي بالدامر وقتها ونسبت إليه القصور الشديد في دفع عملية البحث عن ضابطه المفقود بدائرة إختصاص حكومته الإقليمية وكان ثمرة هذا النهش المتلاحق إيفاد طائرة مروحية تتبع لسلاح الجو السوداني في وقت كان يحسبه الجميع أنه جاء متأخراً بعض الشئ، حيث قامت المروحية المذكورة بمسح خط الرحلة المفترض جواً كما ومسحت سماوات الصحاري والقفار المترهلة الموازية له بحثاً عن المفقودين ولكن لم تجد المحاولة شيئاً وعادت الطائرة أدراجها دون تحقيق أهدافها .. فيما ظلت الأهداف المرتجاة كأنها أشباح إبتلعتها أضابير القفار.

وبقراءة للأوضاع السائدة بالبلاد في ذلك الوقت نجد أن الحدث قد تزامن مع بدايات تطبيق حكم الشريعة الإسلامية الأمر الذي كان مبعثاً لكثير من الجدل واللغط من بعض عدم المتريثين والإنتهازيين بأن نسبوا للضابط المذكور وسائقه الفرار لدولة مجاورة إحتجاجاً على نهج الدولة تطبيقها حكم الشريعة بعد أن أخذا معهما خزانة المجلس الممتلئة بالأموال دون أن يدركوا أنهم بذلك كانوا يطلقون الفراءات في حق رجل إتصف طوال مسيرته الإنسانية والمهنية بالورع والشفافية والزهد والخلق القويم ..

وعلى أصداء هذه الحكايات المختزنة ..كنت وكلما فقت إلى نفسي وتصالحت معها أُحلق في خيال فصولها مسافراً بالذاكرة عكس عقارب التاريخ متأملاً تلك الصورة القاتمة للمسارات البرية وكيف كانت معاناة الطريق والأسفار والصحاري التي تطوق الأنفس من كل صوب والموت الزؤام وأشباح الفناء المطلة على فضاءات تلك القفار ورائحة الموت التي تزكم أنوف المسافرين وأرتال العابرين .. حتى أن دارت السنين وإستدارت الأيام لأجد نفسي وقد قذفت بيَّ المقادير لأن أكون ضمن الكتيبة العاملة في شرطة الإقليم الشمالي .. ذاك الإقليم الذي كان يضم وقتها شرطة مديريتي نهر النيل والشمالية ولكليهما مديرٌ وعلى سدتهما مديرٌ أكبر يتخذ من مدينة الدامر .. أرض الصفوة والمجاذيب .. مقراً له.

 

نتابع في المقال القادم 

 

نبيل معتصم محمد علي عبد الرحمن    

 

 

المقالات السابقة :      

شذرات  

[ أطبع هذا المقال ]      [ عودة ]