اعلان خدمة استشارية بالسجل المدنى .::. مواد القانون الجنائي لسنة 1991م .::. السودان يشارك في فعاليات المؤتمر الإقليمي للجمعية الدولية لقادة الشرطة .::. رئاسة قوات الشرطة تؤكد حرصها علي تأمين القوافل بولايات دارفور الثلاث-المكتب الصحفى .::. مدير شرطة ولاية الخرطوم : الشرطة وبمهنيتها العالية قادرة للوصول لأي متهم في أسرع

مواقع تهمك

وزارة الداخلية السودانية .:. مركز المعلومات .:. شرطة دبي .:. وزارة داخلية  قطر  .:. وزارة داخلية الكويت  .:. وزارة داخلية عمان .:. وزارة داخلية مصر  .:. وزارة داخلية اليمن  .:. وزارة داخلية الأردن  .:. وزارة داخلية السعودية  .:. وزارة داخلية لبنان  .:. وزارة داخلية فلسطين  .:. وزارة داخلية العراق  .:. وزارة داخلية سوريا  .:. مجلس وزراء الداخلية العرب  .:. جامعة الدول العربية  .:. منظمة حقوق الإنسان   .:. وكالة الاستخبارات المركزية الامريكيه  .:. جامعة نايف  .:. الأمم المتحدة   .:. 

طريقة معرفتك بموقع رئاسة الشرطة؟
الملصقات بمركبات الشرطة
الاعلان بالصحف
عبر احد زوار الموقع

أفضل تصفح 768 × 1024
 

   


 
عميد شرطة /نبيل معتصم محمد علي
عنوان المقال  :اصـداء 6
أضيف بتاريخ 26/10/2008 م
أسم العمود : قصاصات
نص المقال :

اصـداء 6

ولضرورات التحقيق فقد تم إجراء تفتيش للعربة موضوع الحادث وكان إن تم العثور بدايةً على حقيبة مكتبية (دبلوماسية) كانت ترقد على أعلى المنضدة الأمامية للعربة وبإزاحة أقفالها تم العثور على مفكرة كانت قد إمتدت إليها بعض آثار التحلل الذي سبق الإشارة إليه وبفحص محتوياتها كانت للراحل الضابط الإداري عبد الباسط بخيت وبمراجعتها فقد كان يدون عليها بعضاً من فصول الرحلة المشئومة بعدما إشتد بهما الحال وإستشعرا ضراوة الموقف ، فقد أفاد في مخطوطاته أن رحلتهما من عبري قد كانت في اليوم السابق لشهر رمضان المعظم من العام 1983م حينما تحركا من مدينة عبري مقر عمله في إتجاه ذويه بوطنه الصغير كرمكول في صحبة سائق العربة (صلاح) ، وأثناء الرحلة إقترح عليه سائق العربة أن يتركا الطريق المحاذي للنيل لرداءته ويسلكا الآخر الصحراوي الذي يبتعد عن العمران لسهولته ولإختزال الوقت .. وعند ذلك توافقا على ذلك وإنتقل السائق بعربته في الإتجاه الآخر مبتعداً عن النيل وعن الحياة في آن واحد .. يشير الراحل عبدالباسط بخيت في مذكراته بأنهما ظلا متحركين في الطريق البديل لساعات وساعات دون أن تتبدا لهما ملامح حياة إذ كانا في هذا الأثناء يتقفيان آثاراً لإطارات عربات من طراز المجروس كانا يظنانها لعربات حامية الدبة وستقودهما في ختام الأمر لمدينة الدبة لأن هذا النوع من العربات وقتها لم يكن متاحاً إلا للقوات المسلحة وهذا لعمري كان إستنتاجاً موضوعياً إلا أنه ولضرورات القدر فقد فات عليهما أن جمعية ود نميري التعاونية وقتها والتي كانت نشاطاتها التجارية تمتد حتى مدينة دنقلا كانت لها مثل ذات الطراز من المجروسات والتي كانت تستغل هذا الطريق البري ما بين الخرطوم ودنقلا جيئةً وذهاباً ، ويستطرد في مذكراته أنه وأثناء سيرهما الهائم بعد ما تبين لهما أنهما قد بدآ يضلان الطريق أو بالكاد قد ضلاه فعلاً إذا بالعربة تدخل في هوة ـ ( حفرة مغطاة بتراب شديد النعومة ) لم تفلح جهود السائق في إنتزاعها منها أو تتفضل هي في إطلاق السراح برغم ما بذله السائق من محاولات إستخدم فيها تروس القوة المساندة والملحقة بالعربة إذ لم يكن ذلك إلا ليزيدها رزوحاً إلى أسفل الهوة السحيقة كأنما في ذلك فخ للموت ينصب نفسه في مواجهتهما لإصطيادهما وتكبيل إنطلاقهما.

وفقاً للمذكرات فقد ظلا على حالتهما هذه حتى مطلع اليوم الثاني والذي تزامن مع غرة شهر رمضان المعظم وهما يتطلعان لأي بارقة أمل تنقذ حياتيهما من هذا الكابوس اللاصق ولكن كانت آمالهما تتبدد رويداً رويداً إلى أن أشتد بهما الحر والعطش في سموم لافحة وصيف قائظ وذلك بعد أن نفذ ما معهما من ماء قليل بزمزمية كانت لا تزال مثبتة بناحية على ظهر العربة ويبدو من تحليل الموقف أن الماء بذلك الإناء لم يكن إلا بحجم رحلة داخلية كان من المفترض أن يكون مسارها على صفحة النيل وإزاء حالة العطش التي إنتابتهما ونفاذ قليل الماء لديهما لجآ لفض غطاء لديتر العربة ونزع فتيلة خرطوشه والوصول إلى ما به من ماء حيث ظل اللديتر دون غطاء وخرطوشه بجانبه كما الغطاء طيلة هذه السنين العجاف وخلدا عقب هذا الزاد الأخير إلى الرقاد والإستسلام عقب تطور الأحداث في خلديهما وإنعدام رؤى الإنفراج أو حتى تباشير على الأفق المنظور.

في اليوم الثالث على بداية الرحلة المقابل لليوم الثاني من رمضان والذي إلتقياه وقد بدت الحياة تصوم عن عالمهما عرض سائق العربة على ضابطه الإداري أن يتحركا نحو أي صوب علهما يلاقيا فرجاً من هذه المأساة ، ولكن الضابط الإداري بحنكته ودهريته وإيمانه الثاقب خالفه الرأي بعدم التحرك مستنداً على الأرجح بتيقنه من لا محالة الموت وخشية ألا يشتتا جثتيهما فيرهقان من سيأتي مستقبلاً للبحث عليهما ، وبالفعل آثرآ هذا الرأي وتوافقا عليه ومن ثم ولجآ إلى داخل كابينة العربة وأتخذآ فيها مرقداً على خلاف (الرؤوس صارت على الأبواب) وتغطيا بملاءة من الدمور كانت ضمن أدوات الرحلة وأستسلما لمصيرهما المحتوم ... فيما لم يكف الراحل عبدالباسط بخيت عبدالباسط وفقاً لمضابط المفكرة عن متابعة تدوين مذكراته الطاهرة حتى الرمق الأخير من حياته وقد تخطى حاجز الأمل في الحياة ليخطو إلى ما بعد ذلك بكثير حيث ذهب إلى إِسداء النصح وترك الوصايا التي أشار فيها لضرورة إلتزام الصبر على فقدهم وعدم البكاء لما في ذلك من عذاب يطالهم في مراقدهم الأبدية كما كان يلتمس الترحم والتضرع لهم عند البارئ دبر كل صلاة بما يخفف عنهم وطأة القبر واللقاء ثم راح في خطاب مخصص لزوجه وفلذات أكباده وأشقائه يوصيهم كل في دوره وواجبه المتصور عقب الرحيل الذي كان يستشعره ، حتى زوجه فقد إختار لها رفقة مأمونة بتوافق حس إرتضاه وهو يدير ظهره للسماوات الدني ، ومن خلف السطور وما بينهما ومن على متون الورق وما وراء الحدث كنت أتيقن كلما تمعنت هذه الرسائل المزجاة أن الأنامل التي سطرتها في خواتيم الرحلة لم تكن سوى أنامل تعبر عن نفس راضية مرضية ، متماسكة في رباطة جأش شديدة وإيمانيات عامرة تنطلق من جذور راسخة  وحافلة إذ كيف لنفس تفترش الموت تحت أقدامها وتتطلع في رضا وقبول لترسم خارطة طريق لمستقبل أسرة صغيرة وعائلة كبيرة دون أن يصرعها زمهرير الموت الماثل واليأس المتداعي وإنقطاع الرجاء والإنسداد الذي يُطبق على المكان.

يستمر الراحل عبدالباسط بخيت عبدالباسط في سرد مذكراته ولعله في حينٍ قد حلق بعيداً في طيات سنيي خدمته الممتدة مسترجعاً في نقاء شريط المعاملات التجارية التي قضى وإقتضى بها في محطات عمله المتفرقة التي أشار لها في تفصيل وما صاحب ذلك من بقايا إلتزامات مالية وديون لا تزال عالقة في الذمم منوها للعديد من الديون واجبة السداد بتلك المواقع المختلفة حاثاً شقيقه الأوحد أن يتولى سدادها كاملة عنه حتى لا ينوء بحملها في يوم لا قِبلَ له بها ، كما أورد بعضاً مما لديه من ممتلكات وأشياء في ذات المناطق التي أشار لها ، ولعل أبرز ما أستوقفني في هذا الصياغ وما أستحضره من قائمة طويلة واجبة السداد مطالبته بسداد مبلغ عشر جنيهات تطلبها منه جمعية تعاونية بمدينة عطبرة تحمل إسم الطير الأبيض وقد ترفقت بي الأيام بمشاهدتها في وقت لاحق لم تكن فيه بعد أطياف المأساة قد إنحسرت عن خيالي.

في مشهد مأساوي وحشد لافت تداعي إليه كل من تنامى إلى سمعه النبأ تمت مواراة الجثامين في مقبرة إتسعت لهما سويا كما إتسعت من قبل مقدمة العربة المنكوبة في ضمهما تحت سقف واحد.

من غرائب ما لم يتم ذكره أن كان هنالك برميل مثبت على ظهر العربة أكدت مراجعته أنه ظل وطوال هذه السنين الثلاث يستبقى في جوفه على عدد من جالونات الوقود (بنزين) تصل إلى رُبع البرميل ولعله متبقي جالونات البرميل بعد ما نالت منها عوامل الطبيعة والتبخر ، وقد تم صب هذه الكمية في خزان العربة ذائعة الصيت أمام قسم الشرطة بمدينة الدبة بعد أن تمت مراجعتها وإستبدال زيت الماكينة وما أن أُدير مفتاح تشغيلها في سانحة خاطفة حتى دوى صوت محركها برنة هادئة ملأت المكان دهشة يلفها حزن عميق ، وقد صدرت لاحقاً الأوامر بتسليمها للسيد مدير طبي مستشفى عبري الذي كانت قد أُستعيرت منه في السابق ، فيما كنت أشاهدها كثيراً عقب ذلك وهي تأتي في مأموريات عادية لمدينة الدبة كأنما لم تكن هي تلك العربة التي شهدت تلك المأساة الدامية.

 

             انتهى المقال

                عميد شرطة:/

            نبيل معتصم محمد علي عبدالرحمن

                   الإدارة العامة لمكافحة المخدرات

 

 

المقالات السابقة :      

اصـداء5

اصـداء4

اصـداء3

اصـداء2

اصـداء 1  

شذرات  

[ أطبع هذا المقال ]      [ عودة ]