|
واسترسل عادل يحكي لطبيبه وسط جمع من اهله ... الذين
حضروا عندما سمعوا بمرضه ... وكان يحكي بلغة ممزوجة مابين
الحزن والاسي والخوف والالم... كان يحكي ويحكي هنا..
وهناك.. يتناول امرا ثم يقفز بصورة غير مرتبة الي حكاية
اخري... وسط دموع من اهله خوفا من ان يكون قد اصابه الجنون
... فقد كان واضحا انه لم يكن في حالته الطبيعية...
..... واخذ عثمان وهو بن اخ عادل يتفكر بخوف بالغ في هذا
الموقف واخذته الشفقة والحيرة من امر عمه ... مدير الشركة
الضخمة ونجم المجتمع البارز.. الذي كان يتنقل بين فروع
الشركة مديرا من فرع الي فرع.... ومن مدينة الي اخري...
ومن قسم الي قسم....ونسي او تناسي نفسه... ونسي في غمرة
الايام التي سرقت عمره ان يتزوج ككل خلق الله ...ويكون له
اسرة واطفال.... فارسي دعائم واسس العمل بتلك الشركة...
ووهب لها كل عمره ووقته ...وكان كلما يقوم بانشاء فرع من
فروع الشركة ويضع له النظم والقواعد الحديثة ... ينقل لفرع
اخر في مدينة اخري ليناهض كل الظروف ويقوده للنجاح
والتطور....وكان عادل كالنحلة لايهدا له بال ولا يركن
للراحة والدعة والسكون ابدا ... فحياته كلها حل وترحال
وعمل وانجاز.... فاحبه الجميع... واختصه بالحب البسطاء في
الشركة فقد كان حنونا عطوفا متواضعا خلوقا سمحا... وكانوا
لايحسون بانه يشغل وظيفة المدير بفرع الشركة ... بل احسوا
طوال الوقت انه منهم وانهم منه...
فصارت اطلالته مقرونة بالعمل والتطور والانجاز...
كل هذه السمات جعلت عادل محل حسد البعض ... فكانوا لايرون
فيه شيئا جميلا.....واصبحوا يترصدون له هفوات صغيرة
ليبلغوا بها رئيس مجلس ادارة الشركة الذي كان يفتح لهم
اذنا صاغية رغم علمه التام بالمقدرات الادارية الهائلة
لعادل... لأنه كان يبيت النية لترقية قريب له في منصب
عادل...وبين ليلة وضحاها... استصدروا قرارا من مجلس
الادارة بالشركة يقضي بترقية نائبه ( قريب رئيس مجلس
الادارة)...الي منصب المدير بالفرع المعني بالشركة...
وترقية عادل الي وظيفة اعلي ... ولكنها ...وهمية ...
وهامشية ابتدعوها بحيث لاتمس مركز القرار... بالشركة وتجعل
عادل مثل الديكور بمكتبه الفخم...( ختوهو في الرف)....
واصبح عادل يفكر ويفكر فيما اقترفه من ذنب او تقصير... حتي
يفعلوا به ذلك... وصار لايستطيع النظر خجلا... في وجوه
الموظفين بالشركة...فاصبح يحضر قبل دوام العمل بوقت طويل
ويقبع بمكتبه طوال الوقت.. ويمكث بعد انتهاء العمل وقتا
اطول تحاشيا لملاقاة اي عامل بالشركة... ولاحظ الجميع ان
تصرفاته اصبحت في بعض الاحيان غير طبيعية... وشيئا فشيئا
... اصبح حاد الطبع دائم الصراخ ويفتعل المشاكل... وينزوي
وحيدا لفترات طويلة ...ولم توكل له اي مهام واضحة بالعمل
لادائها... مما فاقم من حالته النفسية وزاد الامر
سوءا.....
ومع هذا الحال وجدت ادارة الشركة المبررات الطبية والصحية
سببا تذرعت به لفصله من العمل... واخطر بالقرار...
فصار يصرخ ويصرخ باستنكار داخل الشركة... وعند عودته
للمنزل لم يخطر ذويه بذلك لشهور طالت كان يخرج فيها من
منزله يوميا... ويسير علي قدميه لمكان عمله بكامل زيه
الانيق والمكتمل ( فل سوت ) وذلك بعد سحب عربة الشركة...
وكان يذهب للشركة ويحاول دخول مكتبه بالقوة... ورفض تسليم
المفاتيح.... وشيئا فشيئا...ساءت حالته العصبية ... واصبح
يتربص بمدير الفرع الجديد لضربه... وبعد ان تمنعه الحواجز
البشرية المتراصة من ذلك...يقوم بكيل السباب له والصراخ في
وجهه يوميا...
....واخيرا في ركن قصي باحدي المستشفيات الريفية (بقسم
الامراض العصبية والنفسية)..... ركن عادل في احدي الزوايا
الضيقة... زائغ النظرات في وهن شديد... يهنهن ويتحدث بصوت
جهور في بعض الاحيان ...حول عمل ومهام المدير بالشركة
ويوقع علي بعض الاوراق والصفقات الضخمة والوهمية...ويعقد
الاجتماعات الاحادية...في زهو غريب... بينما وقف عثمان...
ينظر لنهاية هذا الرجل العملاق... والدموع تحتبس في مقلتيه...واخيرا
اطلق لدموعه العنان ... لتنهمر في غزارة... وما اقسي دموع
الرجال!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!! |