|
مرة أثناء مشاهدتي لقناتي المفضلة (ناشونال جيوغرافيك) كنت
ارحل في أعماق التاريخ وسحره مستمتعاً جداً عندما كان
العلماء من مختلف التخصصات يخضعون رفاة الفرعون (تحتمس)
لأحدث الفحوصات بالأشعة السينية وفوق البنفسجية والصور
المقطعية وقد توصلوا اخيراً أن الفرعون (تحتمس) مات مقتولاً
بضربةٍ من عصا تقريبا لوجود كسر في عظمة الجمجمة من الخلف
، ايضًا ناقش أولئك العلماء لغز لعنة الفراعنة وقد وصلوا
لان الهواء الذي يكون مقفولاً داخل تابوت الميت يكون
مسموماً، المهم كان البرنامج شيقاً للغاية، معتقًا بروائح
الخلود الزائفة فالخلود لرب العالمين .
شرد ذهنى وتذكرت أثناء عملي في الولاية الشمالية فى عام
2003م زيارةً قام بها السفير الكورى انذاك لحضارة كرمة وقد
كنت ضمن طاقم التأمين وتمنيت لحظتها ان تجد حضارتنا
القديمه المزيد من الاهتمام والدراسة وتذكرت البروفوسير(
شارلس بونى) وهو عالم آثار سويسرى الجنسيه وهو من اهم من
كتب عن حضارة كرمه وقد قضى فى السودان اكثر من اربعين عاماً
أجاد خلالها الكثير من اللهجات المحلية للدناقلة والمحس
تذكرت (شارلس بونى) وقد كان اثناء تلك الزيارة فى عام
2003م وهو ينطلق امامنا متحفزاً وشارحاً لحضارة كرمة بكل
حواسه بلغة انجليزيه سليمه والسفير الكورى يستمع ويسأل قال
شارلس بونى (هذا قصر الملك وهو اصلاً مشيد من الطوب الاخضر
وتحته عدة انفاق وغرف متعدده وهنالك حوله بيوت عامة الشعب
) سأل السفير الكورى وانبهاره يتزايد (هل فعلا هذه الاثار
لها كذا الف سنه قبل الميلاد )؟ وقد اراد ان يعرف كل شى عن
عادات سكان كرمه القدماء وعبادتهم و(شارلس بونى) يجيب بكل
اقتدار ،ثم راينا اثناء مرورنا قبراً اثريا كشفوه حديثاً،
وقد كان يرقد كرقدةِ الجنين بإتجاه الشمس والى جانبه
اوانيه وحول عنقه تعويذة سرحت بخيالى لحظتها انه ربما كان
احد المهندسين النوابغ او كاهن المعبد الذى طالما قدم
للاله امون اروع الدعوات واجمل الصلوات ، ثم ذهبنا والشوق
يسبقنا لموقع( دوكى قيل) وفى الطريق شعرت بعظمة سوداننا
وعراقه حضارتنا التى اعجبت بها منذ صغري خاصةً ببعانخى
الملك محب الخيول الذى غزا مصر لما سمع ان ملكها يعذب
الخيول.
وصلنا لموقع (دوكى قيل) وشارلس بونى رغم كِبَر سنه لكنه
كان كله تحفّز وغرام بحضارة كرمة يطوف بنا ارجاء تلك
الباحة التى كانت حياةً تموج بالاشراق ولكنها اليوم تضج
بالغموض والبلى، ومن القصر الى المعبد كان هنالك طريق
معُبد باحجار متساويه ومرتبه صاح بنا شارلس بونى( ربما
انتم اهم من مشى على هذا الممر منذ الفين واربعمائة عام
قبل الميلاد) ضحكنا سروراً لهذه الاهمية الطارئه والتى
تضاءلت امام عظمة اجدادنا وهيبة حضارتهم المتجدده دائماً
وبجانب المعبد كان هنالك الكثير من اثار الفخار قال بونى (ان
اجدادكم كانوا يصنعون الخبز فى قوالب الفخار ويقدمونه
لرواد المعبد) عندها تأكدت ان السودانيين كرماء منذ القدم
غير ان الاسلام زادهم كرما.
اثناء رحلتنا لاحظنا الكثير من الباحثين بجنسيات مختلفه
وهم يدرسون لمعرفة اى جديد عن ملوك تلك الحقبه من خلال
الاثار وعن الاله اتون إله الشمس .
اعتذر(شارلس بونى) لعمل طارئ وهو يقول للسفير الكورى ( يجب
ان تزور تمبس فهى اجمل مناطق العالم على الاطلاق ). ثم
تقدم ركبنا نحو تمبس وهنالك تأكدت ان تمبس فعلاً من اجمل
المناطق واهم اثر شدنا فى تمبس هو( الاوقجنندى) وللكلمه
تفسير عند اهلنا الدناقله بمعنى (الراجل الضكر) او (الرجل
القوى) وعند اهلنا المحس بمعنى (الرجل ذو المكانه العاليه)
وهو تمثال حجرى من الجرانيت طوله حوالى ثلاث أمتارونصف
يرقد على الأرض ورأسه عبارة عن كتلة غير مشذبه وتقول
الاسطوره ان (الاوقجنندى) منذ القدم كان رجلاً ضخماً
متجبراً طغى حتى صار يأكل الناس فسخطه الله تمثالاً من حجر
.
لكن حتى الاسطوره لاتفسر هذه الصلابه والترفع الظاهر كأنما
هو جندى شجاع يستعد لنيل ارفع انواط الشجاعه ، أو كأنما هو
واقفاً إنتباه لكن بنصف رأس ، ووجهه غير واضح المعالم
ويعود ذلك لانكسار رأس التمثال اثناء نحته فتركه النحاتون
وانصرفوا وينسبه بعض علماء الآثار للملك تانوت امون خليفة
الملك تهارقا (664-665 قبل الميلاد) .
واثناء تلك الرحله وجدنا خفيراً يحرس الاوقجنندى سألته
لماذا تحرس الاوقجنندى؟ قال لى ان بعض النسوه الجاهلات ممن
حرمن نعمة الذريه يأتين ويتبركن بجدهن بالاحتكاك به فى
مكان حساس مما يزعجه جدا.
دارت زكريات تلك الرحله فى راسى وشعرت وكلى فخراً بأن لى
اجداداً عظماء وان حضارتنا هى حضاره عريقه وتعد من اقدم
الحضارات الانسانية على الاطلاق .
نقيب شرطة/ عبد الباسط بلال محمد
|