|
كنت أعود إلي المنزل
في آخر النهار خلال تلك الفترة وأنا أعاني من الإرهاق
والتعب.. بعد مجهود يوم عملي شاق.. وأتوجه بعد نهاية
الدوام لقضاء بعض الإغراض
الخاصة إستعداداً
لاستقبال حدث سعيد علي نطاق الأسرة.. وكان الطقس شديد
الحرارة.. ولم يكن لدي أدني قبول للوقوف أمام المنزل في
ذلك الحر القائظ للاستماع لسماجات ذلك الثرثار وقصصه
الخاوية المضمون والمكررة.. وكان يتفنن حقاً في تعذيبي..
وكأنه يجد متعته الكبرى عند اصطيادي في ذلك المقام وذلك
الوقت وذلك الجو . . وكانت خياراتى محدودة جداً في التعامل
معه ومع رواياته السخيفة. . فلابد من الوقوف والخروج من
العربة ومن ثم تحيته ومجاملته ولو عبر إبتسامة متكلفة
مصطنعة.. ثم الاستسلام والاستماع لترهاته وثرثرته الخاوية
وكذبه البين وتباهيه الأخرق بحسبه ونسبه وأهله.. ويختتم
ذلك الحديث المتتابع اللاهث بجمله أسئلة دقيقة وحساسة
ومحرجه وتصعب إجابتها مباشرة ودون تفكير.. بينما يصعب أو
بالأحرى يتعطل التفكير في مثل هذا الجو المكفهر المشحون
بالحرارة والإرهاق وكانت تلك الاسئلة في غالب الأحيان هي
مبعث الملل والحيرة (والنرفزة)..
ولم املك بيدي مفاتيح الحل
للتخلص من ذلك الثرثار إلي أن ردد صديق قديم أمامي بالصدفة
عبارة كانت أمامي طوال الوقت ولم أفكر أو أتدبر في
معانيها.. ولكنني تلقفتها كغريق يبحث عن بارقة أمل أو
طوق نجاة وحتى لايثرثر قلمـي أكثر فالعبـــارة هي ( الجزاء
من جنس العمل!!)..
ومنذ تلك اللحظة قررت أن
أمتهن الثرثرة وبصورة أدق تعبيراً قدرت أنه يتوجب علي ان
أترقب واقتنص الفرص لعمل ( هجمات مرتدة) ضد هذا الرجل
وبذات أسلوبه السمج الممل ... ورحت أنصب الشراك في خبثٍ
شديد ..لأتصيد الأوقات المزعجة لهذا الرجل المزعج وقررت
أن الفترة المسائية تعد أنسب الأوقات لتنفيذ
..............
ال (Counter
attack)
...
حيث يركن هذا الثرثار للنوم باكراً ويخلد
إليه بعد مجهود شاق في تعذيب خلق الله نهاراً فيكون قد بلغ
به التعب مبلغه...
فعزمت علي حرمانه من
الراحة ليلاً لينال راحة إجبارية نهار اليوم التالي
تطبيقاً لسياسة ( سهر الجداد ولانومو)..
وبعد فترة زمنية قصيرة إنقلب الحال على
عقبيه فصرت أطارد ذلك الثرثار ليلاً وهو يمعن في الهروب
... وأصبحت أتفنن في إتباع ذات أسلوبه القديم في الثرثرة
... وأستمتع حد الثمالة لظهور بشائر النصر المبين ...
لرؤيته وهو يهرب ويفر من أمامي مذعوراً مدحورا.. وأرتحل
بلا رجعة من عالمي وتخلصت منه ومن سماجاته وأصبحت أكتب هذه
الوصفة الطبية والسحرية لكل من ألقى به حظه العاثر أمام
رجل من هذا النوع..
كما تشمل الوصفه بعض النصائح :
إذا القي بك حظك العاثر
ووقعت بين مخالب ثرثار... وأردت أن تلقي عليه التحيه فلا
تقلها بكلمات مسموعه لديه ، بل لوح له بيدك من بعيد ( دون
ابتسامة مشجعة) ... واطلق ساقيك للريح مهرولاً في سرعة
البرق ناجياً بنفسك ووقتك واعصابك الي بر الامان .. اما
إذا وقعت فعلياً في الشراك والشباك المنصوبة وتم اصطيادك
... فعليك التأمل في الخروج ... بتثبيت النظر نحو ذلك (
البرّاي) ...اثناء ثرثرته التي لايملها ، ويتوجب عليك أن
تصوب ناظريك نحوه تصويبا مستمرا لا يفتر مع مقاطعته دوما
وبصورة مستمرة وهمجية في الحديث ، فانت بذلك تعطيه الايحاء
، بانك تريد مقارعته في الثرثره ، فلعله يخشي أن يمتد في
ثرثرته ويطيل في قذف كلماته خوفا من وجود مقارع يوقفه قسرا
عن الثرثرة .... ولعل من اصدق الكلمات لمخاطبة هذه
الماكينات البشرية التي لاتمل نسج الكلام تلو الكلام ...
ما قاله صلاح عبد الصبور :
ولأنك
لاتدري معني الالفاظ ...
فأنت
تناجزني بالالفاظ ...
اللفظ حجر ..
اللفظ منيه ..
فإذا ركبت
كلاما فوق كلام ..
من
بينهما إستولدت كلام ..
لرأيت
الدنيا مولودا بشعاً ..
وتمنيت الموت ..
ارجوك ..
الصمت ..
الصمت !!
|